سيد محمد طنطاوي

189

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله : « ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه الزمخشري في تبعيض » من « المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل ، كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر عليها في البيوت ، وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه ، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع . ولهذا المعنى دخلت ثم في قوله * ( ثُمَّ كُلِي . . . ) * لتفاوت الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت ، والإطلاق لها في تناول الثمرات ، كما تقول : راع الحلال فيما تأكله ثم كل أي شيء شئت . فتوسط ثم لتفاوت . الحجر والإطلاق فسبحان اللطيف الخبير » « 1 » . وقوله : * ( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا . . ) * بيان للون آخر من الإلهامات التي ألهمها اللَّه - تعالى - إياها . والسبل : جمع سبيل . والمراد بها الطرق التي تسلكها النحلة في خروجها من بيتها وفي رجوعها إليه وأضاف - سبحانه - السبل إليه ، لأنه هو خالقها وموجدها . وذللا : جمع ذلول وهو الشيء الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أي : فاسلكي سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر في سلوكها عليك ، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك . قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها . وقيل إن « ذللا » حال من النحلة أي : ثم كلى من كل الثمرات ، فاسلكي سبل ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك اللَّه له من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه - . وقوله - تعالى - : * ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) * كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة إلى خطاب الناس ، تعديدا للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته وعجيب صنعه في خلقه . أي : يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل ، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه - .

--> ( 1 ) الكشاف وحاشيته ج 2 ص 618 .